مقالات


هل الوقود الحيوي قضية بيئية؟؟

منقولة من:
Josie Lee and Jon Barnett are environmental Professors at Melbourne University. Cited from Jakarta Post, 17 December 2007.

إعداد: أ. د. محمود عبد الله مدنى


      تتحدث الكثير من الدول عن استخدام الوقود الحيوي كأحد وسائل خفض الانبعاث التي تؤدي إلى الاحتباس الحراري. والوقود الحيوي عبارة عن وقود سائل ينتج من مصدر نباتي أو حيواني. يؤدي حرق هذا الوقود إلى خفض الانبعاثات الناجمة عن إنتاج وحدة طاقة مقارنة بالمصادر البترولية . ويمكن أن يؤدي إنتاج هذا الوقود إلى تشجيع التنمية الريفية علاوة على توفير تأمين مصادر الطاقة على المستوى المحلي.
      وفي الحقيقة ، لا يمكن اعتبار الوقود الحيوي أحد الحلول الآمنة لقضية تغير المناخ . وقد يؤدي استخدام النبات لإنتاج الوقود، وعمليات الاستخلاص إلى زيادة أسعار المنتجات الغذائية ، فقد المزيد من التنوع البيولوجي ، تدهور الأراضي وخفض مستوى المعيشة ، ومزيد من الانبعاثات نتيجة القضاء على الغابات.
      وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية ثاني أكبر منتج للوقود الحيوي عالمياً، وهو في الغالب كحول الإيثانول من حبوب الذرة. ويشير حماس الإدارات المحلية – القابل للنقاش- إلى أهداف أخرى ليس لها علاقة بالبيئة ، مثل خفض الاعتماد على البترول كوقود مستورد، وكذلك خفض دعم مزارعي الذرة في الأحوال العادية.
      وأدى زيادة الطلب على وقود الإيثانول ، الناتج عن زيادة الضغوط الإدارية على إنتاجه ، إلى رفع أسعار المنتج ، وبالتالي توفير حوالي 6 بليون دولار كانت تدفعها الإدارة الأمريكية لدعم مزارعي الذرة.
      والحصول على هذا المكسب الاقتصادي الهام، هو ما دفع إلى زيادة الوقود الحيوي. ولكن هذا له أثار سلبية في نقاط أخرى ، حيث أن زيادة الطلب على الذرة أدت إلى رفع الأسعار أيضاً . حيث قفزت أسعار الذرة في أسواق العالم ، وكذلك أسعار بعض المنتجات الزراعية الأخرى مثل فول الصويا الذي يستخدم كعلف حيواني بديلاً عن الذرة الصفراء . وتؤدي هذه التحولات في الطلب والأسعار للذرة الأمريكية إلى آثار كبيرة على الأمن الغذائي للدول المستوردة للغذاء.
      ويجب هنا وضع آثار الوقود الحيوي على أسعار الغذاء مقابل الخفض البسيط الناتج عن استخدام هذا الوقود في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري . ففي الوقت الحالي ، يخلط الإيثانول بالبنزين بنسبة لا تزيد عن 10% (وهو مايعرف ب E10) دون الحاجة إلى تعديلات في المحرك، وهو ما ينتج حالياً في الولايات المتحدة . ولأن الإيثانول ينتج قوة للمحرك أقل من البنزين ، فهذا يعني الحاجة لكمية وقود أكبر لقطع نفس المساحة ، وبالتالي ، قد يكون استخدام معدل ال10% كحول يؤدي إلى كمية انبعاثات أكبر من البنزين فقط. ومن المعروف أيضا أن استخلاص الميثانول من الذرة الصفراء يتم باستخدام الفحم كوقود ، وهذا عامل أخر يجب وضعه في الحساب يؤدي إلى مزيد من الانبعاث .
      ويعتبر زيت النخيل مثال آخر في اندونيسيا (كثالث أكبر ملوث عالمي للبيئة بعد الولايات المتحدة والصين ، والناتج من قطع غير قانوني للغابات بمعدل خمس أضعاف مساحة ملعب كرة كل دقيقة). وإنتاج الوقود الحيوي من زيت النخيل في اندونيسيا قد يكون له عواقب سلبية وخيمة . وللوهلة الأولى يبدو أن الناتج الاقتصادي من زراعة نخيل انتاج الزيت مغري، حيث تهدف خطة الدولة إلى تصدير ما قيمته 1.3 بليون دولار زيت نخيل بحلول عام 2010 وذلك باستزراع 20 مليون هكتار (حوالي 48 مليون فدان أو ستة أضعاف كل مساحة مصر المزروعة) في سومطرة وكاليمانتان وسولاويزي غرب بابوا (أي بمعدل 65 دولار لكل هكتار واحد أو 25 دولار للفدان).
      وتتداخل الظروف المناسبة لزراعة النخيل مع الغابات الاستوائية المطيرة التي تأوي 6% من الأنواع النباتية و6% من الأنواع الحيوانية ، و7% من الزواحف و10% من أنواع الطيور و15% من أنواع الأسماك في العالم. وزراعة هذه المناطق بنخيل الزيت يعني فقد كبير للتنوع البيولوجي العالمي.
      من جهة أخرى ، إزالة الغابات من أراضي البيت الخفيفة والتي تمثل ربع الأراضي التي تستخدم يعني انطلاق كمية ضخمة من الانبعاثات ، وهذه الكميات تعادل عدة أضعاف ما يمكن أن يتم توفيره من استخدام الوقود الحيوي مقارنة بالبنزين العادي.
      ويشير واقع الحال أن إزالة الغابات في إندونيسيا تتم باستخدام إخلاء القبائل التي تقطن هذه المناطق بالقوة ، الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى صدامات عنيفة ، وقتل وهدم وتدمير للممتلكات.
      وتزايد أعداد الأيدي العاملة قد لا يعني بالضرورة تحسين مستوى معيشة في الريف ، حيث ان هؤلاء البشر ليس لديهم أي فرض أخرى للمعيشة سوى العمل في مزارع النخيل التي حلت محل الغابات التي كانت تؤويهم.
      وأدت زيادة الطلب على زيت النخيل كوقود حيوي ، وكبديل للذرة الصفراء كعلف حيواني ، أدى إلى تفضيل منتجي زيت النخيل في إندونيسيا للتصدير على حساب البيع للسوق المحلية. مما أدى لزيادة أسعار المنتج بنحو الثلث حالياً.
      وفي البرازيل ، هناك ضغوط لزيادة مساحة قصب السكر لإنتاج الوقود الحيوي ، وذلك على حساب قطع الغابات ، وبالتالي زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ، كما ذكر في اندونيسيا.
      ومما ذكر سالفاً ، يتضح بالأمثلة الواقعية ، أن الوقود الحيوي يمكن أن يكون مربحاً كتجارة واقتصاد ، ولكن ليس وسيلة صديقة للبيئة من ناحية الانبعاثات وتغير المناخ. وإنما يؤدي إنتاجها إلى مزيد من الانبعاثات ، مزيد من الفقر ومزيد من التأثير على الأمن الغذائي للعديد من دول العالم.